عبد القاهر الجرجاني

222

دلائل الإعجاز في علم المعاني

والفرق بينهما أنك إذا قلت : " ما ضرب زيدا إلّا عمرو " ، فقدّمت المنصوب ، كان الغرض بيان الضّارب من هو ، والإخبار بأنه عمرو خاصّة دون غيره وإذا قلت : " ما ضرب عمرو إلّا زيدا " ، فقدّمت المرفوع ، كان الغرض بيان المضروب من هو ، والإخبار بأنه " زيد " خاصة دون غيره . وإذا قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية ، وإذا اعتبرتها به علمت أن تقديم اسم اللّه تعالى إنما كان لأجل أنّ الغرض أن يبيّن الخاشون من هم ، ويخبر بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم . ولو أخّر ذكر اسم اللّه وقدّم " العلماء " فقيل : " إنّما يخشى العلماء اللّه " ، لصار المعنى على ضدّ ما هو عليه الآن ، ولصار الغرض بيان المخشيّ من هو ، والإخبار بأنه اللّه تعالى دون غيره ، ولم يجب حينئذ أن تكون الخشية من اللّه تعالى مقصورة على العلماء ، وأن يكونوا مخصوصين بها كما هو الغرض في الآية ، بل كان يكون المعنى أنّ غير العلماء يخشون اللّه تعالى أيضا إلا أنّهم مع خشيتهم اللّه تعالى يخشون معه غيره ، والعلماء لا يخشون غير اللّه تعالى . وهذا المعنى وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية كقوله تعالى : وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ [ الأحزاب : 39 ] ، فليس هو الغرض في الآية ، ولا اللّفظ بمحتمل له البتة . ومن أجاز حملها عليه ، كان قد أبطل فائدة التقديم ، وسوّى بين قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) وبين أن يقال : " إنما يخشى العلماء اللّه " ، وإذا سوّى بينهما ، لزمه أن يسوّي بين قولنا : " ما ضرب زيدا إلّا عمرو " وبين : " ما ضرب عمرو إلّا زيدا " ، وذلك ما لا شبهة في امتناعه . فهذه هي المسألة ، وإذ قد عرفتها فالأمر فيها بيّن : أن الكلام " بما " و " إلا " قد يكون في معنى الكلام " بإنما " ، ألا ترى إلى وضوح الصورة في قولك : " ما ضرب زيدا إلّا عمرو " و " ما ضرب عمرو إلّا زيدا " ، أنه في الأول لبيان من الضارب ، وفي الثاني لبيان من المضروب ، وإن كان تكلفا أن تحمله على نفي الشركة ، فتريد " بما ضرب زيدا إلّا عمرو " أنه لم يضربه اثنان ، و " بما ضرب عمرو إلّا زيدا " ، أنه لم يضرب اثنين . ثم اعلم أن السبب في أن لم يكن تقديم المفعول في هذا كتأخيره ، ولم يكن " ما ضرب زيدا إلّا عمرو " و " ما ضرب عمرو إلا زيدا " ، سواء في المعنى أن الاختصاص يقع في واحد من الفاعل والمفعول ، ولا يقع فيهما جميعا . ثم إنه يقع في الذي يكون بعد " إلا " منهما دون الذي قبلها ، لاستحالة أن يحدث معنى الحرف